زمن مخيف، يجبرك على أن تتخذ موقفا

زمن مخيف، يجبرك على أن تتخذ موقفا

أتابع جنون العالم، كأي إنسان عربي مشدوه بما يحدث حوله، وعلى الرغم من ضآلة متابعتي لأخبار العالم العربي وانجذابي غير المبرر لقضية إفلاس اليونان وخطة التقشف، مظاهرات أوكرانيا وديون إسبانيا والبرتغال المتراكمة، إلا أني أعي مايحدث بوضوح مخيف.

كنت أتحدث لأحد الأعزاء على قلبي وأخبره أني تغيرت، فلم تعد لدي الجرأة لإسداء النصح لأحد من صديقاتي المقربات كما كنت في السابق، على الرغم من وضوح موقفي تجاه مابدر منها، لكني لا أظهره، صرت أستمع وأشارك في الثرثرة بدون أن أعطي رأيا أو نصحا بشكل مباشر. والآن وبعد مايقارب السنة على كلامي ذاك – أو هو أقل قليلا؟ – أجد أن الأمر انسحب على موقفي من العالم أيضا.

أتذكر وأنا في المرحلة الابتدائية، ومن ضمن أشرطة الفيديو الكثيرة التي حواها منزلنا ( غريندايزر، ليدي لين، كعبول ..الخ) كان هناك شريط لـ”ساسوكي” المغرق في يابانيته، تاريخ وصول هذا الشريط إلى بيتنا ملتبس، أذكر أننا تبادلناه مع أبناء أصدقاء عائلتنا ذات يوم كنا في منزلهم (مهند ومحمد وأخوهم الصغير ياسين)، أعطيناهم جونغر أو غريندايزر وأخذنا ساسوكي، وأظن أنّي شاهدته على التلفاز أيضا في أحد القنوات. كان لأمي موقف واضح من هذا  المقاتل، لم تحبه وعارضت مشاهدتنا له (رفض عديم القيمة بطبيعة الحال لأننا سنشاهده من وراءها) فقد كان دائم السكر، طبق الساكي في يده ويعبث مع الفتيات من حوله (لم أعرف الساكي وقتها، معرفتي كانت منحصرة على الخمر العادي ومشتقاته) أتذكره بوضوح وهو ثمل وطقوس لهوه الكاملة مستغربة من بيعه للصغار، وعلى الرغم من الطبيعة العابثة له، فقد كان الفتى متورطا في الحرب الأهلية في اليابان.

تلك كانت المرة الأولى التي أسمع بها مصطلح “الحرب الأهلية”

حسنا، الأمر لم يكن بتلك البساطة.

بذاكرة مشوشة وغير واثقة من التفاصيل، أسترجع عبارة ذكرت في المسلسل، كانوا يتحدثون عن انتهاء الحرب اليابانية مع الصين (على ما أظن) لكن المرحلة الأكثر خوفا ودمارا قد بدأت .. الحرب الأهلية! في ليلة مقمرة يقف المقاتل على سطح أحد المباني اليابانية القديمة بالقرب من رجل عجوز، كان يلحق بأحد ربما؟ لا أذكر .. لكن صدى الكلمات تلك يعيدني إلى هذا المشهد بالذات دونما ثقة بترابطهما. مع المشاهدة المتكررة لساسوكي استغربت الهالة المخيفة والسوداوية التي أحاطت بحديثهم عن الحرب الأهلية، ظننت أنها أفضل من حرب دولية، أليس كذلك؟

أعني أن العدو بالداخل، يسهل التصالح معه والوصول إليه، قوى متكافئة، مصالح مشتركة و عناد لن يستمر وقت طويلا.

ظلت هذه الفكرة تلازمني عمرا بأكمله، حتى سنتين أو ثلاثة فقط، فهمت معنى الحرب الأهلية، والكابوس الذي تمثله.

أعود أيضا لأحد المسرحيات التي قرأتها والتي كانت تتحدث عن الجيش ذو المعاطف البنية والجيش ذو المعاطف السوداء (الحرب الأهلية الإيرلندية)، لست أذكر اسم المسرحية للأسف!

شتات من هنا وهناك بلا روابط محددة تتقافز إلى ذهني بين الحين والآخر، وتكرر الأمر قبل قليل بقراءتي مقالا عن فضل شاكر وقصته منذ الطفولة حتى القتال المسلح (أو أسميه جهادا؟ .. عاجزة هنا أيضا عن اتخاذ موقف) قرأت التقرير كاملا بشعور غير محدد، رغم وضوح الأحكام والمواقف فيه سواء تصريحا أو تلميحا، إلا أن “اتخاذ موقف” بقي عصيا علي، ولله الحمد.

يتملكني رعب من هذا الزمن، فأنت مجبر أن تقف في صف أحدهم أو ضد آخرين، تجد الأحكام والتحيز ظاهرا في كلمات الجميع قاصدين أم لا، وتستشعر استهجانهم من “سلبيتك” و “صمتك” ونقدهم الصامت، لكن الصارخ، لحيرتك ويقينك المتداعي.

أفهم السوداوية التي أحاطت بساسوكي حين بدأت الحرب الأهلية .. فنحن هنا نكاد نأكل بعضنا ولو اشتباها، بالكلمات.

أفهم الشاب المستلقي على سريره يتجادل قرب النافذة مع صديق له حول بقايا القهوة في العلبة وخطوات الجنود في تلك المسرحية، طرقاتهم الفجة على الباب واشتباههم بالكل .. لماذا تلبس معطفا أسود؟ لماذا تلبس معطف بني؟ من هناك؟ ذوو المعاطف البنية؟ .. لا لا ، الآن دورية ذوي المعاطف السوداء، أفهم عزلته وانقطاعه عن العالم في غرفته، والحوارات الخرقاء التي تدور بينه وبين الفتاة التي تجلب الحليب أو الخبز أو ربما تستعير السكر؟ لا أذكر .. شيء من هذا القبيل، والعبارات المبهمة الغير مترابطة ينطق بها الجميع على وقع رصاص الجنود وصراخهم.

في مسلسل (مجلس المدينة) الكوري، وصفت موظفة حكومية خطيئة اتخاذ موقف الحياد أو رفض الاصطفاف مع أحد الجانبين، حين رفضت التصويت لأي من مرشحي المدينة في الانتخابات مقابلة نظرات السكان المستهجنة، وانتقاداتهم اللاذعة لها ولعدم نفعها!

مقتبسة عن دانتي، تصف ماحدث

The hottest places in hell are reserved for those, who in times of great moral crisis, maintain their neutrality

أفهم ذلك .. لأن من سيريد قذفي في الجحيم وقتها هو كل من اتخذ موقفا، حين بقيت أنا صامتة، متشبثة بسطح الماء خشية الغرق معهم، أو مع الآخرين، أو سواهم.

أشعر كأني أطفو على سطح محيط أعلم يقينا أنه سيغرقني لو بدرت مني حركة بسيطة، الأرض التي نقف عليها جميعا هشّة، الخط الفاصل بين الصواب والخطأ تلاشى، والكل يكذبون.

 وأذكّر نفسي دوما ، أن يساري هو يمين آخرين، والعكس صحيح.

Advertisements

One thought on “زمن مخيف، يجبرك على أن تتخذ موقفا

  1. أحمد العتيبي كتب:

    قرأت هذه التدوينة عشر مرات أو أكثر ، لا أذكر بالضبط

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s