لمَ لا تهاجر؟…

–          قلت له:  حسناً، لمَ لا تهاجر؟

–          إلى أين؟

–          إلى أي مكان، هاجر مادمت قادراً على ذلك!

–          لمَ أفْعَلْ؟ مالحاجةُ إلى الهجرة؟

–          جرّب الحياة هناك، في أمريكا مادمت تحبّها ومادمت قادراً على الذّهاب. لازلت صغيراً لا يقيّدك شيء أو يربطك، لست متزوجاً وبإمكانك أن تجد عملاً في مجال تخصصك، لازلت في الـ 25!

–          نعم أحبّها، لذا سأذهب إليها في الإجازات إن أردت.

–          حبّ الإجازات أمر طبيعي، لكنّها ليست حياةً، جرب البقاء هناك 4 أشهر مثلاً، اعرف شوارعها وأزقتها ودعها تعتد خطواتك، تآلف مع الوجوه العاملة والمتسكّعة من حولك، ارحل إلى مدن أخرى بغرض الحياة أيضاً وانظر إلى الآخرين بعين مُقيمَة لا سائحة، فالعين السّائحة لاترى سوى مايروقها وتبحث عنه. عش هناك لتعرف هل هي حقاً كما اعتقدتها؟ هل الحياة هناك كما تخيّلت أم لا؟ بدل أن تبقيها حسرةً في قلبك وسقف أحلام لم تصله يداك على قربه. صدقاً، مالذي يربطك هنا؟ مشاكلك العائلية كثيرة والحياة الاجتماعية مغرقة في الابتذال في نظرك ولا تطيقها.

–          أتعلمين، عشت في لندن عام تقريباً للدراسة ثم عدت، لم تعجبني فهي مليئة بالعرب وحياتها صعبة. أتدرين لم أحب أمريكا؟ لأن النّاس هناك “عايشين صح” .. العلاقات واضحة، الصّداقة صداقة والحب حب، العمل عمل، لايظن الآخرون بك الظّنون إن صادقت امرأةً مثلاً ويبدؤون بالكلام والنميمة وتتمثل لهم أفكار سوداء عن طبيعة العلاقة. كل إنسان حر بعلاقاته لايخشى شيئاً ولا يتدخّل في حياته أحد. والأمر الآخر، كل شيء متوافر لي هنا فلماذا أهاجر؟ عملي، عائلتي، أصدقائي.

لا أخشى أو أخاف شيئاً !

–          نحن لانهاجر هرباً أو خشية أوخوفاً بالضرورة، ولا بحثاً عن رزق أيضاً، أتراني أمامك؟ هاجس الهجرة يراودني وأنا أصغر منك لا لشيء إلا لأنّي أرى الدّنيا التي أعيش فيها من دون أن أعرف عنها شيئاً؛ أتعرف أنّي كثيراً ما أتفحّص الخريطة؟

ولأني أريد أن أجرب نفسي، أتعرّف على ذاتي.

أتدري ما اهتماماتي في الحياة؟ الرّياضة والثقافة ! لا يمكنني المشاركة فعلياً في كليهما سوى بالمتابعة الجزئية عن بعد، لا يمكنني الجري في الشارع في الصباحات الشّتائية الباكرة، لا أقضي وقتاً تحت المطر أنظر إلى النّاس وهم يسارعون خطاهم ويتضاحكون فأضحك في الطّرقات معهم، أناس لا أعرفهم، لايمكنني حضور فعاليات ثقافية أنتظرها وأتعرّف على أخرى جديدة من كل بقاع الأرض. لماذا؟

لأني في بلد مغلق، لا أملك حريّة حركة على الإطلاق، أعيش في دوّامة من الأفكار عن الممكنات والاحتمالات والأمنيات وماكنت سأفعله لو فتحت لي الأبواب؛ أي شخص سأكون؟ أي فكر سأحمل؟ كيف سأتغيّر!

أتبقى مبادئي ثابتة أم تضمحل أمام مبادئ أخرى جديدة؟ هل أنا على صواب أم خطأ أم بينهما؟

نحن نهاجر لنكتشف أنفسنا ونمنح عقولنا عوالم لامحدودة تسهم في تشكّل أفكارها واتساعها، اتساعاً قد يشمل الأرض يوماً !

أتوق لأعرف: هل أنا من أعتقدني؟ أأفعل كل مافكّرت به لو أتيحت لي فرصة الهجرة والعيش 3 سنوات مثلاً في كندا أو إيرلندا أم سأتخاذل؟

 لمَ اخترتهما؟ بحثاً عن المطر والشّتاء.

–          أوافقك في هذا، لكن سأخبرك، لن تفعلي شيئاً. غالباً يذهب الشباب ويعودون من دون أن يكتشفوا سوى العوالم السّفلية.

–          أنت تقول ذلك، قد تكون رأيته أمامك، لكن أنا مختلفة عنك وعن البقيّة. صدقاً أريد أن أعرف هل أنا من أعتقدني الآن؟ أأكون ما أحب؟ أفضل؟ أم أخذل نفسي!

–          أتتركين عائلتك؟ أنت فتاة!

–          أفكّر بأبي ..

–          وأنا أفكر بعائلتي أيضاً، لا يطاوعني قلبي على تركها مع أنها لا تمنحني سوى المشاكل وقد أجدني بلا مأوى (homeless) يوماً ما، لكن لا أستطيع ..

–          بالمناسبة، لم تحب الذّهاب إلى البحرين؟ لافرق بينها وبين الكويت في المتعة والكويت أفضل؛ إلا إن كنت من روّاد العالم السّفلي طبعاً.

–          ( يضحك)، حلوة منك، لا لست من روّاده، لكن شعور العبور إلى مكان جديد الّذي أحسّه حين أكون فوق الجسر وأجد نفسي في مكان آخر يمنحني سعادة ورضى !

الشّبكات الإجتماعية: إلى أين؟

لست في معرض انتقاد هوس المشاركة الذّي أصاب الكثير، ولا هوس التّقنية اللي .. في فمي ماء

ولا أريد الحديث عن أفضل وأسوأ الخدمات وكل هذه الأمور، لكن هدفي هنا هو الحديث عن مصير تاريخنا في هذه الشّبكات

بدأنا مع التدوين، ومن ثم فيس بوك، وبعده تويتر والآن قوقل بلس.. التّطور والتّجديد شيء جميل لكن من دون أن يقضي تماماً على القديم، لأن القديم يحمل تاريخنا وفكرنا السّابق الذي بنينا عليه فكرنا الحالي، يحمل يوميّاتنا وأحاديثنا واهتمامات كانت وزالت أو كانت ومازالت لدينا، يحمل أصدقاء قديمين غيّبهم الزّمن وآخرين لازالوا معنا في كل مكان ..

الجميع كان هناك في الفيس بوك، كان مجتمعاً ممتعاً لأبعد درجة أفسده البلاك بيري مسنجر والوتس اب.. ومن بعده تويتر الأكثر مباشرة وبساطة وتفاعلية ولكن الأفشل في الحفاظ على الفكرة التي لا تلبث أن تغيب بين الكتابات الأخرى في أقل من نصف ساعة ربّما، إن لم يلتقطها أحد في وقتها وينشرها فستضيع وينساها حتى الكاتب!

هناك فرق بين ” مشاركة” الأفكار وذكرها فقط، تويتر خدم قضايا معيّنة دون غيرها تختص بالمجتمع والتفاعل اللحظي لحدث ما، قد يستمر لأيام وأيام، لكن سينتهي في النّهاية.. وسيغيب كل شيء كتب فيه وسط الزّحمة ويختلط الغث بالسمين فلا تعود قادراً على احتمال ضياع وقتك في البحث عن فكرة قرأتها ذات يوم ..

الفيس بوك، أبطأ وأقل تفاعلية ولكنّه أنجح في مشاركة الأفكار والحفاظ عليها وتأريخها.. فمن السهل الوصول إلى معلومات وبدايات كل شيء في الغالب. .

لم أجرّب قوقل بلس حتى الآن ولكن سيأسر الكثيرين بالتأكيد ببساطته، لكن .. مامصير ما كتبناه وشاركناه في فيس بوك وتويتر؟ يتضح جيدا أن بين شبكة اجتماعية وأخرى يحدث هجران للقديمة وتعلّق بالجديدة لحين الانتقال لآخرى، وهكذا.

يؤسفني كثيراً أن أرى صفحات في الفيسبوك هجرها أصحابها لتويتر، وقد كانت صفحات جميلة جداً تسمح لك بمساحة من المتعة والفائدة والتفاعل المستمر المؤرخ والمثبت ومساحة من الخصوصية أيضاً لو شئت .. غادروا إلى تويتر عالم المغرّدين البسيط المغرق في العمليّة، ومن تويتر ربّما لقوقل بلس لأنه يجمع البساطة والمميزات، فهو بين تويتر وفيسبوك بنكهة قوقل الخاصّة التي لا يخطؤها أحد .

الشّبكات الاجتماعية تأريخ لنا وإن لم نفهم وننتبه إلى ذلك، تأريخ لمشاعرنا وأفكارنا واهتماماتنا وأصدقائنا الذين يشاركوننا هذه الاهتمامات أو يختلفون معنا، النّقلة بين شبكة وأخرى تعني أن نترك جزءاً كبيراً منا وراءنا لأن الشبكة الجديدة لا تدعم خواصاً كنا نستخدمها في السابق وعوضتنا عنها بمزايا أخرى! ونترك وراءها أشخاصاً كثر أيضاً لم يرغبوا بالانتقال معنا،

أتمنى أن أرى شخصاً يستخدم هذه الشبكات الثلاث وما سيأتي بعدها بطريقة تضمن التفاعل مع الجميع وكل المجتمعات والحفاظ على تاريخه الشخصي الذي سيساعده على فهم نفسه وفهم الآخرين في يوم ما حين يعوده إليه.. قد يذكر مرحلة جميلة من حياته أو مرحلة صعبة، قد يذكر شخصاً عزيزاً وآخر على نقيض ذلك .. قد يشعر بالحنين، وقد يسأم في النهاية من المشاركة واستنساخ نفسه في كل الشبكات وكل مرّة بجودة أقل .. حين أجد أن المستخدم يشارك نفس الشيء في صفحته على تويتر، فيس بوك، قوقل بلس، فإني أعرف أنّه فشل في التعامل مع خصوصية كل موقع وأصبح بالنسبة له وسيلة للنشر فحسب، لا للتفاعل والإيصال والتأريخ، والأهم .. التأثير

كم أتمنّى لو حافظ الجميع على عوالمهم هذه، وحافظوا على توازنهم في استخدام كل الشبكات معاً، إن لم يكن كذلك، فلينقلوا كل بياناتهم ويغادروا تماماً إلى العالم الاجتماعي الجديد لا أن يهجروا صفحاتهم القديمة ويتركوها شاهداً على “شخص مرّ من هنا” فحسب!

فهي تاريخهم الإنساني قبل كل شيء .

الإيمان نعمة ..

سمعت كثيرا عن شاب،ابن إنسان متديّن مختص بمقارنة الأديان (مسلم يقارن ديننا مع النصرانية في سبيل الدعوة إلى الإسلام ودحض أكاذيب وخرافات النصرانية وتبيين حقيقة التناقضات في عقيدتهم) وكان هو، الابن، على قدر من العلم بهذا التخصص أيضاً ..

سمعت عنه مرّة أخرى بعد عام أو أكثر، كان يقرأ الإنجيل باستمرار ! ويقول إنه يستطلع فقط

وبعدها بسنة كانت الإشاعات تدور حول ارتداده عن الإسلام واعتناقه للنصرانية ..

رأيته، نحيل شاحب ذو جسم خامل وبطيء الحركة نوعا ما، صوته منخفض وذو طبقة هادئة  رتيبة أيضاً، مهذب لا يشتم ولا يوحي لك بأي نوع من عدم الارتياح والتشكك ..

تكلّمت معه كذلك، بسيط لأبعد درجة يتذمّر من التعقيدات المرتبطة بأخذ إجازة مرضية من العمل

في عام 2009 التقيت معه ضمن إفطار رمضاني جماعي، كان على مايبدو صائماً، ولا أدري ما حل بموضوع الإرتداد ذاك. حضر معنا الإفطار وصحبته صديقة له

حين سألت واستفسرت علمت أنه عقد العزم على الارتداد واعتناق النصرانية وأنه سيغادر إلى استراليا ليكون في بيئة أفضل ويعمل من أجل المسيحية. .

تحدثني زميلته في العمل حين دعاها يوما إلى حفل في الموفنبيك، هي مواطنة تقليدية توقعت حفلا غنائياً أو وطنيا أو شيء كهذا، لكنها حين دخلت وجدت التراتيل تضج في المكان؛ كان حفلاً لجمع النصارى يرتلون من أناشيدهم وكتابهم المقدس، وخرجت ضاحكة .

الآن وبعد عامين أعرف أنه انتقل إلى أستراليا وأنه اعتنق النصرانية ويعمل في التبشير لها أيضاً .. كثير ممن كانوا على علاقة به سواء زمالة أو صداقة أخذوا يلعنون  سيّء الذّكر، لكن أيحق لهم هذا؟  لا أؤمن بالفكر النصراني في عقاب الضالين باحتوائهم ومسامحتهم والتشبّث بهم لآخر لحظة، ولكن أعتقد يقيناً أن السخط واللعن والنبذ ليس أسلوباً لمساعدته على الرجوع عن الخطأ إلى طريق الصّواب ..

كان له أفضلية البحث في الدين ومحاولة فهمه، نحن نتبع ديننا ونمارسه بالوراثة غالبا، لكنه ضل في منتصف الطريق حين أدخل الشك إلى قلبه وأخذ ينمو وينمو من دون أن يحاول كبح جماحه. لا أستطيع أن أبغضه أو ألعنه أو أحمل موقفاً سلبياً منه، هو خطر على المجتمع، أعي ذلك تماماً.. لكن الله يقلّب القلوب ويهدي من يشاء ويضل من يشاء

والله ابتلاه فضل الطريق، وقد أكون أنا التاليه، او أي أحد ممن يقرأ او من المسلمين! فلو كنا نحن من ارتد لا سمح الله، فلن نكون سعداء بالنبذ ممن حولنا بينما أذرع الكنيسة مفتوحة بمحبة لنا على مصراعيها ! قد تكون هي انقلابة في طريق الإيمان الصحيح، في طريقة العودة إلى سواء السبيل وتعميق التجربة في القلب والعقل والرّوح، تجربة أن لا دين سوى الإسلام وأن الدين لا يسري في دمنا موروثاً من آبائنا فقط ، فهو بهذه الحالة عرضة للخدش والتحطيم في أي لحظة ..

أدعوا الله أن لا أكون مكانه يوماً ما، فلا تدري نفس على ماذا تموت! وأدعوا الله أن لو ابتلاني وكنت أنا من ارتد عن دينه، أن لاينبذني الآخرون، أن لا يلعونني ولا يساء إلى ذكري، ابتعدوا عني ان اردتم ولكن لا تسيئوا لي أمام القاصي والداني، ولتقولوا خيراً أو لتصمتوا، وصب اللعنات على رأسي ليس خيراً بأية حال من الأحوال..

اللهم ثبت قلوبنا على دينك، وردّه وكل المبتلين إلى سواء السبيل، واهدنا الصراط المستقيم يارب العالمين..

الي بيته من زجاج، لا يرمي الناس بحجر :)

فضايح ..

الشعب العربي يحب الفضائح والتشهير بالناس من باب “أتغدى فيهم قبل يتعشون فيني”، وبما إن الأمم تشترك بقول مأثور تختلف صياغته يحمل معنى مناقض لما ورد أعلاه “الي بيته من زجاج لا يرمي الناس بحجر” .. أتسائل، لو أراد البعض أن يشهر بي ويفضحني، كيف سيفعلون ذلك وأي السبل سيتبعون؟

اطرحوا السؤال على أنفسكم …

يومكم توفيق وستر …